أحمد بن محمد المقري التلمساني
132
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وحبائك « 1 » ؟ من لأخيك ، بمواثق أو أخيك ؟ من لأبنائك ، بلطف إحنائك « 2 » ؟ انفضّ شملهم « 3 » وكان جميعا ، ونادوك لو نادوا منك سميعا ، هذا كبيرهم يدعوك فلا تجيبه ، وقد فتّ الأضلاع وجيبه ، يبكي عند تلك الرّجام ، بأدمع سجام ، وقد ألهبت الزفرات حشاه ، وألح الدمع بجفنه حتى أعشاه ، والأصاغر ما لهم بعدك مفزع ، ورضيعهم تسلب به الأنفس رحمة وتنزع ، لا يدري ما جزع عليك فيجزع ، لشدّ ما أذابتهم وقدة الأوار ، حين عدموا منك كرم النجوى والجوار ، أفّ لدهر رماهم بالأجوار ، وتركهم أنجما مسلوبة الأنوار ، لا جرم أن يحزنوا عليك ويكترثوا « 4 » ، فلقد تسلّوا عنك ببعض ما ورثوا ، وما ورثتهم غير الحزن والبثّ ، وأمل في الحياة كالهباء المنبثّ ، كما تتلى محاسنك فاسمع ، طفقت عليك شؤون عيني تدمع ، أيا ضريحه ، كيف وجدت ريحه ؟ لقد أرج بك ذلك المعفر ، حتى ما ينافحه المسك الأذفر ، وكما ظفرت بوجوده ، فجد كلّ قبر بجوده ، ففيه سماء ثرّة وغمام ، ونور انضمّ عليه منك كمام ، ولو علمت بمن بين جنبيك راقد ، لعلوت حتى تلوح في ذراك الفراقد ، ويا دافنيه كيف هلتم عليه الرّغام « 5 » ؟ أو لم تنكروا على الشمس أن تغام ؟ هيهات لقد سمحتم بإقبار ، عفّ الشمائل طيب الأخبار ، وإلحاد ، من لا نزاع في فضله ولا إلحاد ، أي نفس اتخذتم « 6 » له التراب مستودعا ، فأضحى عرنين المكارم مجدّعا « 7 » : [ الطويل ] [ مقطوعات في الزهد ] فتى مثل نصل السيف من حيث جئته * لنائبة نابتك فهو مضارب فتى همّه حمد على النأي رابح * وإن بات عنه ماله وهو عازب « أما وإن ازدحمت بمهلكه الأوصاب ، وفدح الرزء وجلّ المصاب ، حتى لا نألف الناسا « 8 » ، فلقد سر الموت من حيث ساء « 9 » ، فلقد خلفنا بدهر ما فيه غير مصائب ، ولا يبالي من أقصد سهمه الصائب ، فيا فقيد الندى ما كان أجدرك بالخلود وأخلقك ، ويا جواد عمره ما كان أقصر طلقك ، ثوى ، حين استوى ، وتوارى ، إذ ملأ الأفق أنوارا ، وكسف حين بلغ الكمال ، فكان كالغصن عندما اعتدل مال ، أو كالشهاب عندما استقام حار [ الكامل ] وكذاك عمر كواكب الأسحار هذه اليراعة « 10 » التحفت بعده الضنى ، والصحف تطوى على جهالة وتحنى ، وعهدي به إن
--> ( 1 ) حبائك : عطائك . ( 2 ) في ب « أحبائك » . ( 3 ) انفض شملهم : تفرق جمعهم . ( 4 ) يكترث هنا : بمعنى يشق عليهم . ( 5 ) الرغام : التراب . ( 6 ) في ب « تخذتم له » . ( 7 ) العرنين : الأنف . ومجدع : مهشم . ( 8 ) في ب « التأساء » . ( 9 ) في ب « ساء » . ( 10 ) اليراعة : القلم .